الوجودية- فلسفة الحياة في عالم بلا معنى
في عالم يبدو أحيانًا خاليًا من المعنى، تأتي
الفلسفة الوجودية لتطرح أسئلة جوهرية حول وجودنا وهويتنا. ما معنى الحياة؟ كيف
نجد هدفًا في عالم عبثي؟ هل نحن مجرد كائنات عابرة في كون لا مبالي؟ هذه الأسئلة
المحيرة هي جوهر الفكر الوجودي، وهي أسئلة طالما شغلت الإنسان منذ فجر
التاريخ. الوجودية ليست مجرد نظرية
فلسفية جافة، بل هي محاولة جادة لفهم الوضع الإنساني في أعمق مستوياته. إنها
تدعونا للنظر في أعماق أنفسنا والعالم من حولنا بعين ناقدة ومتسائلة.
فكيف
يمكننا أن نجد معنى في عالم يبدو أحيانًا خاليًا من أي غاية أو هدف ؟ في هذا المقال، سنغوص في أعماق الفلسفة
الوجودية، مستكشفين أفكارها الرئيسية ومفاهيمها الأساسية. سنتعرف على أبرز مفكريها
وكيف أثرت أفكارهم في الفكر الإنساني المعاصر. كما سنحاول استكشاف كيف يمكن لهذه
الأفكار أن تساعدنا في حياتنا اليومية، وكيف يمكننا أن نجد معنى وهدفًا في عالم
يبدو أحيانًا عبثيًا وفوضويًا. فهل أنت
مستعد لرحلة فكرية مثيرة في عالم الوجودية ؟ هيا بنا نبدأ هذه المغامرة الفلسفية!
الجذور التاريخية للفلسفة الوجودية
من كيركيجارد إلى سارتر رحلة الفكر الوجودي
الفلسفة الوجودية لم تظهر من فراغ، بل هي نتاج
تطور فكري طويل. يمكننا تتبع جذورها إلى القرن التاسع عشر مع الفيلسوف الدنماركي
سورين كيركيجارد، الذي يعتبره الكثيرون "أبو الوجودية". كان كيركيجارد
مهتمًا بشكل خاص بفكرة الفرد وحريته وعلاقته بالله والمجتمع. بعد كيركيجارد، جاء
فريدريك نيتشه ليضيف بعدًا جديدًا للفكر الوجودي. أعلن نيتشه "موت
الإله". وتحدى الأخلاق التقليدية، داعيًا الإنسان لخلق قيمه الخاصة. كانت
أفكاره صادمة لعصره لكنها مهدت الطريق لظهور الوجودية الحديثة. في القرن العشرين،
ظهرت الوجودية كحركة فلسفية متماسكة مع مفكرين مثل مارتن هايدغر وجان بول سارتر
وألبير كامو. هؤلاء المفكرون طوروا مفاهيم مثل "الوجود يسبق الماهية" ، "الحرية
المطلقة" ، "المسؤولية الشخصية"، والتي أصبحت حجر الزاوية في الفكر
الوجودي.
تأثير الحروب العالمية على الفكر الوجود
لا يمكننا فهم الوجودية دون النظر إلى السياق
التاريخي الذي نشأت فيه. فقد تشكلت هذه الفلسفة بشكل كبير في أعقاب الحربين
العالميتين، اللتين زعزعتا الثقة في القيم التقليدية والمؤسسات الاجتماعية. الدمار
الهائل والفظائع التي شهدها العالم خلال هذه الفترة دفعت الكثيرين للتساؤل عن معنى
الوجود الإنساني وقيمته. كيف يمكن للإنسان أن يجد معنى في عالم يبدو عبثيًا
وقاسيًا؟ هذه الأسئلة كانت في صميم الفكر الوجودي.
سارتر، على سبيل المثال، كان أسيرًا خلال
الحرب العالمية الثانية، وتأثرت فلسفته بشكل كبير بهذه التجربة. كتاباته عن الحرية
والمسؤولية الشخصية كانت انعكاسًا مباشرًا لتجربته في مواجهة الظروف القاسية
والخيارات الصعبة.
المفاهيم الأساسية في الفلسفة الوجودية
الوجود
يسبق الماهية أنت ما تصنعه من نفسك
من أهم المبادئ في الفلسفة الوجودية هو مفهوم "الوجود يسبق
الماهية". هذه الفكرة، التي صاغها جان بول سارتر، تعني ببساطة أننا نولد
أولًا ثم نحدد هويتنا وجوهرنا من خلال أفعالنا وخياراتنا. على عكس الفلسفات
التقليدية التي ترى أن للإنسان طبيعة ثابتة أو جوهرًا محددًا مسبقًا، تؤكد
الوجودية على أن الإنسان"يُلقى" في العالم بدون هدف أو معنى مسبق. وعليه
أن يخلق معناه وهويته بنفسه من خلال أفعاله وقراراته. هذا المبدأ يضع مسؤولية
كبيرة على عاتق الفرد. فأنت لست مجرد نتاج للظروف أو الجينات أو التربية، بل
أنت ما تختار أن تكون عليه. كل قرار تتخذه، كل فعل تقوم به، يساهم في تشكيل
ماهيتك وهويتك.
الحرية والمسؤولية عبء الاختيار
الحرية في الفلسفة الوجودية ليست مجرد حق أو
امتياز، بل هي حقيقة وجودية لا مفر منها. نحن "محكوم علينا بالحرية" كما
يقول سارتر. هذه الحرية المطلقة تعني أننا مسؤولون بشكل كامل عن خياراتنا
وأفعالنا. لكن هذه الحرية ليست دائمًا
مريحة. في الواقع، يمكن أن تكون مصدرًا للقلق والخوف. فعندما ندرك أننا أحرار
تمامًا في اختياراتنا، نواجه أيضًا حقيقة أننا مسؤولون تمامًا عن نتائج هذه
الاختيارات. هذا ما يسميه الوجوديون "القلق الوجودي". المسؤولية في
الفكر الوجودي تمتد أبعد من مجرد تحمل عواقب أفعالنا الشخصية. فكل اختيار نقوم به
يساهم في تشكيل العالم من حولنا. عندما نختار طريقة معينة للعيش، فإننا نقترح
ضمنيًا أن هذه هي الطريقة التي ينبغي أن يعيش بها الجميع. وهكذا تصبح خياراتنا
الشخصية ذات أبعاد أخلاقية واجتماعية.
العبثية والأصالة مواجهة اللامعنى
مفهوم العبثية هو من المفاهيم المحورية في
الفلسفة الوجودية، وقد تناوله بشكل خاص الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو. العبثية تشير
إلى التناقض بين رغبة الإنسان في إيجاد معنى وهدف للحياة، وبين عدم وجود معنى واضح
أو هدف نهائي في الكون.
كامو يصف هذا الوضع في أسطورة سيزيف، حيث
يُحكم على سيزيف بدفع صخرة إلى قمة جبل، فقط لتتدحرج مرة أخرى إلى أسفل، وهكذا إلى
الأبد. هذا العمل العبثي يمثل حالة الإنسان في عالم بلا معنى. لكن الوجودية لا
تدعو إلى اليأس في مواجهة هذا العبث. بل على العكس، ترى أن الوعي بعبثية الحياة
يمكن أن يكون مصدرًا للتحرر والإبداع. فإذا لم يكن هناك معنى مفروض علينا، فنحن
أحرار في خلق معنانا الخاص. هنا يأتي
مفهوم الأصالة. الشخص الأصيل في الفكر الوجودي هو من يواجه حقيقة وضعه العبثي
بشجاعة، ويختار أن يعيش حياته بوعي كامل ومسؤولية، دون الاختباء وراء الأعذار أو
الهروب إلى اليقينيات الزائفة.
رواد الفكر الوجودي وأفكارهم الرئيسية
جان بول سارتر الوجودية الملحدة والحرية المطلقة
جان
بول سارتر هو ربما أشهر الفلاسفة الوجوديين. كان سارتر مؤمنًا بفكرة الحرية
المطلقة للإنسان، وأن الإنسان "محكوم عليه بالحرية". في كتابه الشهير "الوجودية
مذهب إنساني"، يشرح سارتر كيف أن الإنسان مسؤول تمامًا عن نفسه وعن العالم من
حوله. سارتر كان ملحدًا، ورأى أن غياب
الله يعني أن الإنسان حر تمامًا في تحديد قيمه ومعنى حياته. لكن هذه الحرية تأتي
مع مسؤولية ثقيلة. فنحن مسؤولون ليس فقط عن أنفسنا، بل عن البشرية جمعاء من خلال
اختياراتنا. من أفكار سارتر المهمة أيضًا مفهوم "سوء النية". وهو يشير
إلى محاولة الإنسان التهرب من حريته ومسؤوليته من خلال التظاهر بأنه مجبر على
أفعاله أو أنه ضحية للظروف.
ألبير كامو التمرد في وجه العبث
ألبير كامو، الكاتب والفيلسوف الفرنسي الجزائري، كان مهتمًا بشكل خاص بفكرة
العبث. في كتابه "أسطورة سيزيف"، يناقش كامو المواجهة بين رغبة الإنسان
في المعنى وصمت العالم اللامبالي. لكن كامو لم يَر في العبث سببًا لليأس. بل على
العكس، رأى أن الوعي بالعبث يمكن أن يكون مصدرًا للتحرر والتمرد الإيجابي. في
كتابه "الإنسان المتمرد"، يدعو كامو إلى نوع من التمرد الأخلاقي ضد
اللامعنى، حيث يختار الإنسان أن يعيش بكرامة وشجاعة رغم إدراكه لعبثية الوجود.
كامو يرى أن السؤال الفلسفي الأساسي هو مسألة
الانتحار. إذا كانت الحياة بلا معنى، فلماذا نستمر في العيش ؟ إجابة كامو هي أن
نختار الحياة والتمرد ضد العبث، وأن نخلق معنى لحياتنا من خلال أفعالنا
وإبداعاتنا.
سيمون دي بوفوار الوجودية النسوية
سيمون دي بوفوار، الفيلسوفة والكاتبة الفرنسية، كانت من أهم المفكرات
الوجوديات. في كتابها الشهير "الجنس الآخر"، طبقت دي بوفوار مفاهيم
الوجودية على قضايا الجندر والمرأة. دي بوفوار طورت فكرة أن "المرأة لا تولد
امرأة، بل تصبح كذلك". هذه الفكرة تتماشى مع المبدأ الوجودي القائل بأن
الوجود يسبق الماهية. فهي ترى أن الأدوار الجندرية ليست طبيعية أو حتمية، بل هي
نتاج للتنشئة الاجتماعية والثقافة.
عمل دي بوفوار كان ثوريًا في وقته، وساهم في تطوير الفكر النسوي والوجودي
على حد سواء. فهي ربطت بين الحرية الوجودية والتحرر النسوي، مؤكدة على أهمية أن
تختار المرأة حياتها بحرية وأصالة.
تطبيق الفكر الوجودي في الحياة اليومية
مواجهة القلق الوجودي كيف نتعامل مع الحرية المطلقة؟
القلق الوجودي هو شعور عميق بعدم الاستقرار والخوف الذي ينبع من إدراكنا
لحريتنا المطلقة ومسؤوليتنا الكاملة عن حياتنا. قد يبدو هذا القلق مرهقًا، لكن
الفلاسفة الوجوديين يرون أنه يمكن أن يكون قوة إيجابية في حياتنا.
للتعامل مع القلق الوجودي، يمكننا:
1.
الاعتراف به بدلاً من محاولة تجاهل هذا القلق
أو كبته، علينا أن نعترف به كجزء طبيعي من الوجود البشري.
2. استخدامه كدافع يمكن أن يكون القلق الوجودي
حافزًا لنا لاتخاذ قرارات واعية وهادفة في حياتنا.
3. ممارسة الوعي الذاتي التأمل والتفكير العميق في
قيمنا وأهدافنا يمكن أن يساعدنا في توجيه حريتنا بشكل أفضل.
4.
تقبل عدم اليقين جزء من النضج الوجودي هو
تعلم العيش مع عدم اليقين والغموض الذي يصاحب الحرية.
خلق المعنى في حياتنا الإبداع والالتزام
في
عالم بلا معنى مسبق، يصبح خلق المعنى مسؤوليتنا الشخصية. هذا قد يبدو مهمة شاقة،
لكنها أيضًا فرصة للإبداع والنمو الشخصي.
إليك بعض الطرق لخلق معنى في حياتك من منظور وجودي:
·
الالتزام بمشروع شخصي قد يكون هذا مهنة،
هواية، أو قضية تؤمن بها. الالتزام يعطي اتجاهًا وهدفًا لحياتنا.
·
بناء علاقات أصيلة العلاقات العميقة مع
الآخرين يمكن أن تكون مصدرًا قويًا للمعنى والهدف.
·
الإبداع والتعبير الذاتي الفن، الكتابة،
الموسيقى، أو أي شكل من أشكال التعبير الإبداعي يمكن أن يكون وسيلة لخلق المعنى.
·
التعلم المستمر السعي وراء المعرفة والفهم
يمكن أن يغني حياتنا ويعطيها عمقًا.
·
مساعدة الآخرين العمل التطوعي أو المساهمة في
المجتمع يمكن أن يعطي إحساسًا قويًا بالهدف والمعنى.
العيش بأصالة تجنب "سوء النية"
العيش بأصالة هو أحد المفاهيم الأساسية في
الفلسفة الوجودية. يعني هذا أن نعيش وفقًا لقيمنا الحقيقية، وأن نتحمل مسؤولية
خياراتنا بدلاً من الاختباء وراء الأعذار أو الأدوار الاجتماعية.
لتجنب" سوء النية" والعيش بشكل أصيل
1.
كن صادقًا مع نفسك حاول أن تفهم دوافعك
الحقيقية وقيمك الأساسية.
2.
اتخذ قرارات واعية بدلاً من الانجراف مع
التيار، فكر مليًا في خياراتك وعواقبها.
3.
تحمل المسؤولية تجنب إلقاء اللوم على الآخرين
أو الظروف عن وضعك الحالي.
4.
كن منفتحًا على التغيير الأصالة تعني أيضًا
القدرة على تغيير آرائك ومواقفك عندما تدرك أنها لم تعد تتماشى مع قيمك
الحقيقية.
5.
واجه مخاوفك الخوف غالبًا ما يدفعنا
إلى" سوء النية". مواجهة مخاوفنا بشجاعة هي خطوة مهمة نحو العيش بأصالة.
نقد الفلسفة الوجودية وحدودها
الذاتية المفرطة هل نحن منعزلون حقًا؟
أحد الانتقادات الرئيسية للفلسفة الوجودية هو
تركيزها المفرط على الفرد وتجربته الذاتية. هذا التركيز قد يؤدي إلى نوع من العزلة
الفلسفية، حيث يبدو كل فرد وكأنه جزيرة منعزلة في بحر من العبث. النقاد يشيرون إلى
أن هذه النظرة تتجاهل الطبيعة الاجتماعية للإنسان وأهمية المجتمع والثقافة في
تشكيل هويتنا وقيمنا. فنحن لا نوجد في فراغ، بل نحن جزء من شبكة معقدة من العلاقات
والتأثيرات الاجتماعية.
صعوبة التطبيق هل الوجودية فلسفة نخبوية ؟
هناك من يرى أن الفلسفة الوجودية، رغم
جاذبيتها الفكرية، صعبة التطبيق في الحياة اليومية. فكرة أننا مسؤولون بشكل كامل
عن خلق معنى لحياتنا قد تكون مرهقة ومربكة للكثيرين. هذا يثير سؤالًا هل الوجودية
فلسفة نخبوية، متاحة فقط لأولئك الذين لديهم الوقت والموارد للتأمل العميق في معنى
الحياة؟ كيف يمكن لشخص يكافح من أجل تلبية احتياجاته الأساسية أن يجد الوقت
للتفكير في "القلق الوجودي"؟
التشاؤم المحتمل هل تؤدي الوجودية إلى اليأس؟
رغم
أن الفلاسفة الوجوديين يؤكدون على إمكانية خلق المعنى في عالم عبثي، إلا أن هناك
من يرى أن هذه الفلسفة قد تؤدي إلى نوع من التشاؤم أو حتى اليأس. فكرة أن الكون
خالٍ من المعنى الموضوعي قد تكون محبطة للبعض. ومع ذلك، يجادل المدافعون عن
الوجودية بأن هذه الفلسفة، على العكس، يمكن أن تكون مصدرًا للتفاؤل والأمل. فهي
تمنحنا الحرية لخلق معنى لحياتنا بأنفسنا، بدلاً من الاعتماد على معانٍ مفروضة من
الخارج.
الوجودية في الثقافة الشعبية والفن
الأدب الوجودي من كافكا إلى كونديرا
الفلسفة الوجودية كان لها تأثير عميق على
الأدب العالمي. العديد من الكتاب استكشفوا المواضيع الوجودية في أعمالهم، مما أدى
إلى ظهور ما يمكن تسميته "الأدب الوجودي". فرانز كافكا، على سبيل المثال، في روايته "المسخ"،
يستكشف فكرة الاغتراب والعبثية في الحياة الحديثة. البطل، غريغور سامسا، يستيقظ
ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة عملاقة، في استعارة قوية للشعور بالغربة والعزلة في
المجتمع. ألبير كامو، في روايته "الغريب"،
يقدم بطلاً لا مباليًا يواجه عبثية الحياة والموت. الرواية تستكشف فكرة اللامبالاة
كرد فعل على عالم عبثي.
جان
بول سارتر، في مسرحيته "لا خروج"، يصور الجحيم على أنه "الآخرون"،
مستكشفًا فكرة أن وعينا بذواتنا يتشكل من خلال نظرة الآخرين إلينا. في العصر الحديث، نجد كتابًا مثل ميلان
كونديرا يستمرون في استكشاف المواضيع الوجودية. في روايته "خفة الكائن التي
لا تحتمل"، يتناول كونديرا فكرة الحرية والمسؤولية في سياق سياسي واجتماعي
معقد.
السينما الوجودية من برغمان إلى تارانتينو
السينما أيضًا كانت ساحة خصبة
لاستكشاف الأفكار الوجودية. العديد من المخرجين استخدموا الوسيط البصري لتقديم
تأملات عميقة حول الوجود والمعنى. إنغمار برغمان، المخرج السويدي الشهير، كان من
أبرز من تناولوا المواضيع الوجودية في السينما. في فيلمه "الختم السابع"،
يصور فارسًا يلعب الشطرنج مع الموت، في استكشاف عميق لمعنى الحياة والموت. في
السينما الحديثة، نجد مخرجين مثل كوينتن تارانتينو يستكشفون المواضيع الوجودية
بطرق جديدة ومثيرة. في فيلم "بالب فكشن"، على سبيل المثال، نرى شخصيات
تواجه لحظات وجودية حاسمة تغير مسار حياتهم.
الموسيقى والفن التشكيلي التعبير عن العبث والحرية
الموسيقى والفن التشكيلي أيضًا تأثرا بشكل كبير
بالأفكار الوجودية. في الموسيقى، نجد فنانين مثل بوب ديلان وجون لينون قد استكشفوا
مواضيع الحرية والمعنى في أغانيهم. أغنية "Imagine" لجون لينون، على سبيل المثال، يمكن
اعتبارها تأملاً وجوديًا في إمكانية خلق عالم جديد من خلال الخيال والإرادة
البشرية. في الفن التشكيلي، نجد فنانين
مثل إدوارد مونش قد عبروا عن القلق الوجودي في لوحاتهم. لوحة "الصرخة"
الشهيرة لمونش تجسد بشكل مؤثر الشعور بالعزلة والقلق في العالم الحديث.
الفن المعاصر أيضًا يستمر في استكشاف المواضيع الوجودية.
فنانون مثل تريسي إيمين، على سبيل المثال،
يستخدمون أعمالهم لاستكشاف قضايا الهوية والوجود في عصر ما بعد الحداثة.
الوجودية في العصر الرقمي تحديات وفرص جديدة
الهوية الرقمية من أنا على الإنترنت؟ في العصر الرقمي، تأخذ الأسئلة الوجودية حول
الهوية والوجود أبعادًا جديدة. مع وجود حياة افتراضية موازية لحياتنا الواقعية،
نجد أنفسنا نتساءل من نحن حقًا على الإنترنت؟
الشبكات الاجتماعية تتيح لنا فرصة لتشكيل هويات متعددة، وأحيانًا متناقضة.
هذا يثير أسئلة وجودية عميقة حول طبيعة الذات وأصالتها. هل نحن أكثر "أنفسنا"
على الإنترنت، حيث يمكننا التحكم في صورتنا بشكل أكبر؟ أم أن هذه الهويات الرقمية
هي مجرد أقنعة نرتديها؟
الحرية والمسؤولية في العالم الافتراضي
الإنترنت يوفر مساحة واسعة من الحرية، لكنه
أيضًا يثير أسئلة جديدة حول المسؤولية. في عالم حيث يمكن لتغريدة واحدة أن تغير
حياة شخص، كيف نفهم مسؤوليتنا عن أفعالنا الرقمية؟ الوجودية تؤكد على الحرية المطلقة والمسؤولية
الكاملة. لكن في العالم الرقمي، حيث يمكن لأفعالنا أن تنتشر بسرعة البرق وتصل إلى
ملايين الأشخاص، هل تصبح مسؤوليتنا أكبر؟ وكيف نوازن بين حريتنا في التعبير
ومسؤوليتنا تجاه الآخرين في الفضاء الرقمي؟
العزلة والتواصل في عصر الإنترنت
الإنترنت
يوفر إمكانيات غير مسبوقة للتواصل، لكنه أيضًا قد يؤدي إلى شعور متزايد بالعزلة.
هذا التناقض يثير أسئلة وجودية عميقة حول طبيعة العلاقات الإنسانية في العصر
الرقمي. هل يمكننا حقًا أن نشكل علاقات أصيلة عبر الإنترنت؟ أم أن هذه العلاقات
الافتراضية تزيد من شعورنا بالعزلة والاغتراب؟ الفيلسوف الوجودي مارتن بوبر تحدث
عن أهمية العلاقات "أنا- أنت" الحقيقية. فهل يمكن تحقيق مثل هذه
العلاقات في العالم الرقمي؟
الوجودية والصحة النفسية نحو فهم أعمق للذات
القلق الوجودي والاكتئاب وجهان لعملة واحدة؟ الفلسفة الوجودية لها علاقة وثيقة بعلم النفس
والصحة النفسية. العديد من المعالجين النفسيين، مثل إرفين يالوم، قد طوروا نهجًا
علاجيًا يستند إلى الأفكار الوجودية.
القلق الوجودي، وهو الشعور بعدم الاستقرار الذي ينبع من إدراكنا لحريتنا
ومسؤوليتنا، قد يبدو مشابهًا للاكتئاب. لكن المنظور الوجودي يرى هذا القلق كجزء
طبيعي وحتى ضروري من الوجود البشري.
المعالجون الوجوديون يساعدون مرضاهم على مواجهة
هذا القلق بدلاً من محاولة القضاء عليه. الهدف هو تحويل هذا القلق إلى دافع للنمو
الشخصي والتغيير الإيجابي.
الوجودية كأداة للنمو الشخصي
الفلسفة الوجودية، رغم ما قد يبدو فيها من تشاؤم،
يمكن أن تكون أداة قوية للنمو الشخصي. فكرة أننا مسؤولون عن خلق معنى لحياتنا يمكن
أن تكون محفزة للغاية. من خلال مواجهة
الأسئلة الوجودية الصعب من أنا؟ ما هو هدفي؟ كيف أعيش حياة أصيلة؟ يمكننا أن نصل
إلى فهم أعمق لأنفسنا وقيمنا. هذا الفهم يمكن أن يقودنا إلى اتخاذ قرارات أكثر
وعيًا وعيش حياة أكثر رضا وامتلاءً.
التعامل مع الخوف من الموت منظور وجودي
الخوف
من الموت هو موضوع مركزي في الفلسفة الوجودية. بدلاً من محاولة تجاهل هذا الخوف أو
قمعه، تدعونا الوجودية إلى مواجهته بشكل مباشر.
المفكرون الوجوديون يرون أن الوعي بحتمية
الموت يمكن أن يكون قوة إيجابية في حياتنا. فهو يذكرنا بقيمة الوقت الحاضر ويدفعنا
لعيش حياتنا بشكل أكثر وعيًا وامتلاءً. كما يقول الفيلسوف مارتن هايدغر، فإن الوعي
بالموت يمكن أن يحررنا من الانشغال بالتفاهات اليومية ويساعدنا على التركيز على ما
هو حقًا مهم في حياتنا.
العيش بوعي في عالم بلا ضمانات
في
نهاية المطاف، الفلسفة الوجودية ليست مجرد نظرية أكاديمية، بل هي دعوة للعيش بوعي
وأصالة في عالم معقد وغامض. إنها تدعونا لمواجهة الحقائق الصعبة للوجود البشري -
الحرية، المسؤولية، العبث، الموت- ومع ذلك، تجد معنى وقيمة في هذه المواجهة.
الوجودية لا تقدم إجابات سهلة أو ضمانات مريحة. بدلاً من ذلك، إنها تدعونا
للاستيقاظ من سباتنا الوجودي والمشاركة بنشاط في خلق معنى لحياتنا. إنها تذكرنا
بأننا، رغم محدوديتنا وهشاشتنا، نمتلك القدرة على صنع حياة ذات قيمة وهدف.
في
عالم يبدو أحيانًا خاليًا من المعنى، تقدم الوجودية رؤية متفائلة بشكل غير متوقع.
إنها تؤكد على قدرتنا على خلق المعنى، على اتخاذ خيارات شجاعة، وعلى العيش بحرية
وأصالة.
ربما تكون الرسالة الأهم للوجودية هي أنه لا
يوجد" معنى" واحد للحياة ينتظر اكتشافه. بدلاً من ذلك، المعنى هو شيء
نخلقه باستمرار من خلال خياراتنا وأفعالنا.
وفي
هذه العملية المستمرة من الخلق والاكتشاف، نجد حريتنا الحقيقية وإنسانيتنا
الكاملة. فلنواجه إذن عبثية الحياة
بشجاعة، ولنخلق معنى في عالم بلا ضمانات، ولنعيش بوعي وأصالة. فهذا، في النهاية،
هو جوهر الفلسفة الوجودية وربما جوهر الحياة نفسها.
MR RAAFAT
